حيدر حب الله

19

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

لكنّ مقولة ( الدقة ) مقولة تخضع للمناخ الذي تمارس فيه ؛ فدقّة الفيلسوف في أبحاثه الفلسفية ، ودقة عالم الكيمياء في مختبراته العلمية ، ودقة الطبيب في معالجاته الطبية ، تختلف عن دقة وظرافة الأديب في نسجه لخيوط الصورة الخيالية عما يتحدّث عنه ، وعن دقة الشاعر في نظمه الشكلي والمضموني لقصيدته الشعرية ؛ فالمناخ يلعب دوراً في تعيين مصداق الدقة وتبلورها الخارجي . من هذه النقطة بالذات ؛ ندخل إلى العلوم الإسلامية ، وأركّز هنا على علوم الشريعة والفقه ؛ حيث - وانطلاقاً من القرن الحادي عشر الهجري - شهد الفقه الإمامي منعطفاً خطيراً على هذا الصعيد ، وذلك أنه بدأ يشهد نوعاً من الدقة تختلف عن مثيلاتها في مصنّفات علماء مدرسة النجف القديمة والحلّة وحلب وجبل عامل والبحرين ؛ فهذه الفترة اللاحقة تطوّر فيها الفقه من حيث المنهجة والتنظيم والاستيعاب والإشراف والإحاطة والظرافة والعمق ؛ وهذا منطق تطوّري طبيعي نحمد الله عليه ؛ لكنّ هذا التطوّر اللافت في القرون الأخيرة صاحبته بعض المشاكل أيضاً ، وهي مشاكل لابد من تلافيها حمايةً للمسيرة التطوّرية من الإخفاق أو التراجع أو الدوران السريع حول الذات . وإحدى هذه المشاكل حصول تحوّل في العقل الجمعي في الوسط العلمي إزاء مفهوم ( الدقة العلمية ) ، وقد بدا هذا التحوّل على صعد عدّة أبرزها : 1 - حصل تصوّر في بعض الأوساط وما يزال أنّ الهيمنة على كتب التراث تعدّ معياراً ؛ وهذا ما سجّل في تقديري ضربة قاصمة للوعي ، مع أنه لم يكن في حدّ ذاته سوى أمراً حسناً صائباً . وأقصد بما قلت أن الإشراف على التراث ومعرفة الكتب والعلماء وأقوالهم وتطوّر النظريات وسيرورتها وصيرورتها ، كلّه من العلوم الخادمة للاجتهاد خدمةً جليلة ؛ لهذا نجد هفوات عظيمة حتى عند بعض الكبار ناشئة من